وحدات المركز > وحدة العلاقات الدولية >  النفط والدماء

النفط والدماء

الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا(السودان نموذجاً)

الكتاب من إصدارات المركز العربي للدراسات الإنسانية ضمن ساسلة كتب المركز

د.نجلاء مرعي

ملخص الكتاب

إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه أي منطقة في العالم لا بد أن تكون نابعة أولاً من مصالحها وأهدافها الكونية من جهة، وأهمية المنطقة المعنية بتلك السياسة من جهة ثانية. وعليه، فإن التحليل العلمي والواقعي للسياسة الأمريكية تجاه قارة إفريقيا لا بد أن يأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.

ونظرًا لأن إفريقيا تحتل موقعًا مهمًّا، إن لم يكن خاصًّا، في الاستراتيجية التي رسمتها الإدارة الأمريكية للتحكم في عالم المستقبل، أو بدقة أكثر من أجل تحقيق سيطرة الإمبراطورية الأمريكية سيطرة مطلقة على العالم، يدفعها إلى هذا الاهتمام ما تملكه القارة من ثروات طبيعية ومواد أولية، لاسيما البترول، الذي أصبح العنصر الحيوي المحرك ليس للاقتصاد الأمريكي فحسب، بل لمجمل الاقتصاد في العالم، فقد ربطت إدارة بوش مساعداتها الاقتصادية للدول الإفريقية بتبني تلك الدول للمعايير الأمريكية في التصدي «للإرهاب»، وبالتالي تحولت إفريقيا إلى قاعدة استراتيجية خلفية مهمتها تأمين الإمدادات البترولية للولايات المتحدة، لتقليص الاعتماد على الشرق الأوسط الذي أصبح معرضًا لتطورات لا يستطيع صناع القرار التنبؤ بمداها أو بنتائجها.

وقد كان لا بد أن يكون للسودان حظ من هذا الاهتمام الأمريكي الذي يتضح في التدخل السافر، وإثارة النزاع داخل المنطقة كوسيلة للسيطرة والتحكم المستقبلي في البترول، وخصوصًا أن التنافس على أشده على المصالح البترولية في غرب إفريقيا بين الهند والصين.

ونظرًا لذلك، فإن الكتاب الذي بين أيدينا الآن هو إحدى ثمرات الاهتمام بموضوع تأثير ودور البترول في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا عامة والسودان خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م؛ حيث أصبحت أمريكا عنصرًا أساسيًّا وحاسمًا في إفريقيا بعد اكتشاف ثرواتها الهائلة من البترول والغاز.

كما أن الفترة التي شهدت اتفاق ماشاكوس عام 2002م تمثل حالة تطبيقية للتدخل الأمريكي في السودان لحل مشكلة الجنوب، بهدف السيطرة على النفط السوداني في هذه المنطقة، وتفاقم أزمة دارفور في السودان ودور الولايات المتحدة فيها، وخصوصًا أن الاهتمام الأمريكي بها ليس للأوضاع الإنسانية، وإنما ينصب على المواد الخام، واتخاذ هذه الأوضاع كذرائع واهية تمهّد لها السبيل للتدخل والسيطرة على البترول في هذه المنطقة، وصولاً إلى انفصال جنوب السودان باعتباره محصلة من محصلات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه السودان والذي لا شك فيه سيتحول إلى زلزال جيو سياسي واسع النطاق في السودان الجنوبي نفسه والسودان الأم؛ حيث إن دولة السودان الجنوبي الجديدة ستكون هي الأحدث التي انفصلت عن أكبر وأول دولة عربية إفريقية هي السودان الكبير مساحة وحدودًا وبترولاً وموارد، بموجب استفتاء شعبي أُجري في التاسع من يناير 2011م.

والأهم أن استقلال جنوب السودان لم يكتمل بعدُ؛ حيث مازالت هناك قضايا عالقة مع الشمال قد تؤدي إلى حرب أهلية ثالثة، أبرزها ترسيم الحدود، والنزاع بشأن تبعية منطقة أبيي، ويأتي ملف النفط في واجهة الخلاف؛ كونه المورد الرئيس الذي سيعتمد عليه كل من شمال السودان والدولة الناشئة في الجنوب. 

ويهدف الكتاب إلى رصد وتحليل مظاهر التطور والتغيير الذي طرأ على السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا عامة والسودان خاصة بعد ظهور البترول خصوصًا خلال الفترة موضوع الدراسة، وإبراز العوامل التي حددت هذا التغيير، سواء تلك الناجمة من البيئة الداخلية أو الإقليمية أو الخارجية، والتعرف على أهمية عنصر البترول في عملية صنع وإدارة السياسة الخارجية الأمريكية، ورصد التغييرات التي طرأت عليها تجاه إفريقيا، وبخاصة في ظل عدم وجود الكثير من الدراسات العلمية التي تناولت موضوع الدراسة بشكل وافٍ، والتي تأخذ في اعتبارها الأبعاد المختلفة لتلك السياسة، والتي تحدد الأهمية النسبية للعوامل المؤثرة فيها، والتغيرات التي تطرأ على هذه السياسة من وقت لآخر، فضلاً عن محاولة فهم موقع إفريقيا النفطي في العالم وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل النفوذ الصيني المتنامي عليه، وآليات الهيمنة الأمريكية على منابع النفط الإفريقي، والأهداف والمصالح الاستراتيجية الأمريكية في القارة.

وقد حاول الكتاب معالجة موضوعه وفقًا لمنهج التحليل النظمي؛ حيث إن وحدة التحليل الأساسية هي الدولة، وحركتها الخارجية في إطار النظام الدولي في مدى زماني ومكاني معين.

وقد تم الاستعانة بالإطار التحليلي لـ«برتيشر» الذي يقوم على فكرة التدفق والحركة الديناميكية في النظام، والذي يستوعب بطريقة منظمة المدخلات، وينقلها إلى جهاز السياسة الذي يحوّل هذه المدخلات إلى قرارات أو مخرجات. وقد تم تناول هذا الإطار التحليلي من منظور «دراسة الحالة»، وهي دراسة تأثير البترول في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا عامة والسودان خاصة.

بالإضافة إلى ذلك اقتضت طبيعة الدراسة الاستعانة بالمنهج المؤسسي الذي يقصد به «دراسة المؤسسات السياسية من حيث التشكيل والاختصاصات».