وحدات المركز > وحدة العلاقات الدولية >  روسيا ومواجهة الغرب

روسيا ومواجهة الغرب

أزمة القوقاز وأثرها على العالم الغربي والمسلم

د.باسم خفاجي

الكتاب من إصدارات المركز العربي للدراسات الإنسانية ضمن ساسلة كتب المركز 

ملخص الكتاب

هل عادت روسيا إلى خريطة القوى المؤثرة في عالم اليوم، أم أن الحرب الباردة قد عادت بين الشرق والغرب مرة أخرى؟ وهل سيكون عالم الغد بمفرداته أو معسكراته متشابهًا مع عالم الحرب الباردة الأولى، والتي استمرت ما يقارب من أربعة عقود إلى أن انتهت بسقوط الاتحاد السوفييتي، وإعلان انتصار الغرب في تلك المعركة؟  منذ عقدين من الزمان، انكفأ الاتحاد السوفييتي على نفسه بعد معارك طاحنة في أفغانستان، وتحول إلى كيان ممزق مهلل، قبل أن يسقط نهائيًّا، ويتفكك إلى عدد كبير من الدول والدويلات! ورثت روسيا معظم تراث ذلك الكيان ومشكلاته أيضًا، وسقطت في براثن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية طوال تلك الحقبة، وحتى أعوام قليلة مضت.

ومع انتصاف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ارتفعت أسعار النفط والغاز بصورة كبيرة، وروسيا من أكبر الدول المنتجة والمصدرة لهما معًا، وتزامن ذلك مع تولي فريق جديد من السياسيين لحكم روسيا، يرى أن روسيا مؤهلة لاستعادة دورها العالمي بشكل جديد ومختلف عما سبق من ناحية، وهو كذلك لا يسلم بالهزيمة السابقة للغرب من ناحية أخرى.  أصبحت روسيا ــ تحت إدارة هذا الفريق السياسي ــ تترقب ذلك اليوم الذي تتمكن فيه من الثأر للهزيمة السابقة، واعتبار ما حدث في نهاية القرن العشرين مجرد جولة في الصراع بين الشرق الأوروبي ممثلاً في روسيا، وبين الغرب ممثلاً في الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وأوروبا أيضًا، ولكن بدرجة أقل.

بدأت روسيا في اتخاذ العديد من الخطوات الدولية التي تعبر عن هذه الاستراتيجية الجديدة التي تهدف إلى استعادة روسيا لدور عالمي بارز.  لم يكن ممكنًا أن تختار روسيا عدوًّا سوى الولايات المتحدة من أجل أن تعلن عن عودتها إلى الساحة الدولية.  كانت المخاطرة في ذلك كبيرة، لذا بدأت روسيا تبحث عن مواجهة مع حلفاء أمريكا.  وبدأت المناوشات الفكرية والسياسية منذ عام 2005م تظهر بشكل واضح في عبارات المسئولين الروس، ومن خلال مواقفهم المعلنة في المنظمات الدولية، التي سعت دائمًا وبشكل متكرر إلى إضعاف الهيبة الأمريكية، وكذلك الهيمنة الغربية على سياسات العالم.

الغرب كان منهمكًا في نفس تلك الفترة بعدد من المعارك والأولويات، ومنها مستنقع «الحرب على الإرهاب» ومغامرات احتلال أفغانستان والعراق، وتبعات إظهار العداء للإسلام ولدول العالم الإسلامي في المجالات الفكرية والاقتصادية والسياسية أيضًا.  كما اهتمت الولايات المتحدة ومعها العالم الغربي تحديدًا بمشروع إعادة صياغة أو تشكيل الشرق الأوسط بشكل يناسب الطموحات الصهيو/أمريكية في إخضاع المنطقة فكريًّا وثقافيًّا.

تحركت تلك القوى المنافسة لنهضة العالم المسلم، والخائفة من عودة الإسلام إلى عالم الغد لتهمّش من دور الدين واللغة والقواسم العربية والإسلامية المشتركة من أجل إتاحة الفرصة للكيان الصهيوني للبقاء في المنطقة، وتهميش أو وأد روح مقاومة الاحتلال والهيمنة بدعوى أن ذلك يعد شكلاً من أشكال «الإرهاب» أيضًا.  وبينما كانت الولايات المتحدة تغوص أكثر في ذلك المستنقع، وتنادي بمشروعات فاشلة على غرار الشرق الأوسط والكبير والموسع، كانت روسيا تعيد بناء كيانها الفكري والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي، وتحاول بالتدريج أن تستعيد دورًا دوليًّا مؤثرًا، وأن تساهم في زعزعة التفرد الأمريكي في التأثير على المنظمات الدولية.

قويت روسيا كثيرًا في غفلة غير مقصودة من أمريكا وأوروبا، وصاحَب ذلك ــ وفي نفس الوقت تقريبًا ــ ضربات موجعة تلقتها السياسات الأمريكية، الفاشلة خارجيًّا في إدارة الحرب على الإرهاب، والمتعثرة داخليًّا في تحسين الواقع الاقتصادي الأمريكي، وغير القادرة على الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية مع أوروبا كذلك.  بدأت أوروبا تُظهر تململها من الأفكار المتطرفة للأصوليين من المحافظين الجدد في أمريكا، كما شاركت الصين التي بدأت تظهر كقوة عظمى اقتصاديًّا واستراتيجيًّا أيضًا في إضعاف التفرد الأمريكي على جبهات متعددة.

ومع انتصاف العِقد الأول من القرن الحادي والعشرين بدأت روسيا تشعر أن الوقت قد حان لمواجهة دولية تظهر عودة روسيا إلى مقاعد الدول الكبرى، وتعيد ــ من خلال هذه المواجهة ــ ترتيب ملفات القوى العظمى بالشكل الذي يقضي على فكرة سيادة الغرب، ويمهّد لظهور مجتمع دولي متعدد الأقطاب تلعب فيه روسيا دورًا مهمًّا يليق بأحلام الشعب الروسي وقيادته التي لم تتخل أبدًا عن طموحات القوة والتأثير الدولي. 

كانت جورجيا هي الساحة التي اندفع الطرفان الروسي والأمريكي لجعلها ملعبًا لهذه المواجهة المرتقبة، والتي خططت لها روسيا على مدى السنوات الماضية، وكانت أمريكا تعلم بذلك أيضًا.  حاولت الولايات المتحدة من طرفها ــ بشكل غير مباشر ــ توريط روسيا في تلك المواجهة على أمل أن يستغل الغرب حدثًا عسكريًّا محدودًا في القوقاز لتضخيم الخوف من روسيا الجديدة، والتنادي عالميًّا من أجل تحجيم طموح القياصرة الجدد.  راهن الطرفان على أن تكون جورجيا هي ساحة الفوز لطموحاتهم.  إن ما حدث في جورجيا في صيف 2008م لم يكن فقط مواجهة بين روسيا وجورجيا .. ولكنه كان ــ بدرجة أهم ــ أول مواجهة بين روسيا وبين الغرب، وحدثت هذه المواجهة على أرض جورجيا.

لم يكن المطلوب هو هزيمة جورجيا عسكريًّا، ولكن الهدف الروسي كان يتركز في تحجيم التواجد الغربي الذي يقترب عسكريًّا واستراتيجيًّا من حدوده ومناطق نفوذه التاريخية.  وفي الناحية الأخرى، كان الهدف الأمريكي هو استغلال تورط روسيا في جورجيا من أجل تخويف دول المعسكر الشرقي من تنامي الخطر الروسي، ودفعهم دفعًا إلى القبول بوجود قواعد عسكرية غربية على أراضيهم باسم مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي.

جورجيا ليست هدفًا أو ذات قيمة حقيقة ذاتية كبرى لأيّ من الطرفين، ولكن قد يُنظر لها مستقبلاً على أنها كانت الساحة التي انطلقت منها مواجهة الحرب الباردة الثانية بين روسيا من ناحية وبين أمريكا من ناحية أخرى.  وعندما يجري استخدام مصطلح «الحرب الباردة» في هذا الكتاب، فلا يعني ذلك بالضرورة أن نكون أمام نسخة مطابقة من الحرب التي انتهت في عام 1989م بكافة تفاصيلها وتوجهاتها العقدية أو تحالفاتها.  إن مصطلح «الحرب الباردة» قد يشير إلى سلسلة من المعارك السياسية والمواجهات الفكرية بين قطبين من أقطاب المستقبل.  سوف تستمد هذه الحرب الجديدة بعض خبراتها من التجارب السابقة، وقد تستدعي الماضي لدعم التوجهات المستقبلية كذلك.  إن استخدام نفس المصطلح لا يعني بالضرورة تطابق آليات أو أهداف أو استراتيجيات الصراع.

لن تكون الحرب الباردة هذه المرة بين معسكرين (حلف وارسو في مقابل الحلف الأطلسي)، ولكنها ستكون بوضوح بين دولتين (روسيا وأمريكا).  ولن تكون هذه الحرب الباردة ذات توجه عقدي أيديولوجي حادّ (شيوعي في مقابل رأسمالي) كما كانت الحرب الماضية، ولكنها ستكون حربًا اقتصادية وعسكرية حقيقية من أجل الهيمنة على ثروات المستقبل، ومن أجل التأثير على قرارات العالم بالشكل الذي يخدم الدول التي تدير هذه الحرب الباردة. ولن تكون الحرب الباردة في القرن الحادي والعشرين امتدادًا مباشرًا للحرب الباردة في القرن الماضي، ولكنها قد تشترك معها في سعي أطراف هذه الحرب إلى الابتعاد ما أمكن عن المواجهة العسكرية المباشرة، والتي يمكن أن تكون نتائجها كارثية على العالم أجمع. 

إن مصطلح «الحرب الباردة» يعكس هنا، وفي هذا الكتاب، التركيز على بوادر مواجهة شاملة بين روسيا وبين أمريكا، ولكنها مواجهة تبتعد وتتجنب الدخول في صراع مسلح، وهي لذلك مواجهة حقيقية، ولكنها باردة من حيث إنها بين أطراف يأملون تجنب الحروب الدموية ما أمكن، وهو وجه شبه حقيقي مع الحرب بين المعسكرين الشرقي والغربي في القرن الماضي.

ليس هدف هذا الكتاب مناقشة فكرة عودة الحرب الباردة، رغم أنه يشير بوضوح إلى المعالم التي تؤيد فرضية المواجهة، ولا يتوقف بالضرورة عند مسماها أو تطابق المسمى مع مواجهة حدثت في القرن الماضي، ولن تكون بالضرورة امتدادًا لها.  الهدف الأهم من هذا الكتاب هو كيف يمكن لنا في العالم العربي والمسلم أن نتفهم أبعاد هذه الحرب الباردة الجديدة، وتأثيرها السلبي أو الإيجابي على عالمنا وأمتنا.

يمكن أن يتحقق هذا الهدف من خلال خطوتين: الأولى هي التعرف على أبعاد الأزمة، والثانية هي تكوين رؤية للتعامل معها.  يقدم هذا الكتاب محاولة للتوصل إلى إطار عربي مسلم لكيفية تقليل مخاطر المواجهة بين أمريكا وروسيا على المسلمين في القوقاز، وما هي الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها للاستفادة من تلك الأزمة، وحماية الأمة من أن تتحول إلى ساحة يتصارع على أرضها قوى مهيمنة، وأن تتحول الأمة ــ عبر فهم هذه الأزمة وحسن التعامل مع إدارتها ــ إلى قطب مؤثر في عالم متعدد الأقطاب.

يتكون الكتاب من بابين رئيسين: الباب الأول يقدم قراءة لواقع الأزمة الدولية التي ألقت بظلالها على صيف وخريف عام 2008م من جوانبها المختلفة، ويتكون من أربعة فصول:  الفصل الأول حول من سيربح القوقاز؟! وهو يقدم للقارئ رؤية إجمالية للأزمة وأبعادها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.  أما الفصل الثاني فيناقش تداعيات الصراع، وما حدث منذ اندلاعه.  بينما يناقش الفصل الثالث من الكتاب الأبعاد الاستراتيجية للأزمة وكذلك دور العامل الاقتصادي، والهوية القومية للمنطقة، والنفوذ الصهيوني في إشعال الصراع حول القوقاز. وأما الفصل الرابع وهو  بعنوان «نحن وأزمة القوقاز»، فهو محاولة للربط بين تداعيات الأزمة في منطقة القوقاز، وبين مصالح واهتمامات العالمين العربي والإسلامي، سواء من نواحي الهوية والفكر والثقافة المشتركة، أو من ناحية العلاقات الدولية والاستراتيجية في مطلع القرن الحادي والعشرين.

أما الباب الثاني من الكتاب، فهو بعنوان «ملامح عالم الغد»، وهو استشراف مستقبلي لنتائج أزمة القوقاز وآثارها، وكيفية الاستفادة منها.  ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، وهي الفصل الخامس وعنوانه «القوقاز ومستقبل الاستراتيجيات الدولية»، ويبحث في مفهوم ومعالم الحرب الباردة الثانية، وكيف سيتم إعادة تشكيل القوى الصاعدة في العالم، وهو ما يشير إليه الكتاب تحت عنوان «الأقطاب الخمسة لعالم الغد».  كما يشرح ذلك الفصل الشكل المتوقع لصراعات القرن الحادي والعشرين، وخصوصًا ما يتعلق بالتقنيات وحروب المستقبل.  أما الفصل السادس فيركز على أهمية الاستفادة من أزمة القوقاز، سواء في مجال تحديد الأولويات، أو إدارة الأزمة واستثمارها نحو مستقبل أفضل للعالم العربي والمسلم، أو لتحسين فرص استقرار عالم الغد للبشرية جمعاء.  يقدم الكتاب في نهاية هذا الفصل مجموعة من التوصيات العملية تحت عنوان «استراتيجيات عملية لصُنّاع القرار»، ويركز كذلك على دور مؤسسات المجتمع المدني العربي والمسلم في استشراف التغيرات الدولية، وحسن التعامل معها.

يتضمن الفصل الأخير من الكتاب باقة من الملاحق والوثائق التي تقدم المزيد من الإيضاح لأبعاد الأزمة، وتعطي القارئ فرصة أوسع لتفهم طبيعة الصراع في تلك المنطقة ومستقبله أيضًا.

لم يسع هذا الكتاب إلى سرد يوميات الأزمة، أو إعادة الحديث عن الأحداث المجردة التي شكّلت أبعادها، ولكننا حرصنا أن نقدم قراءة متوازنة وعملية لما يحدث في القوقاز، وعلاقة ذلك مع عودة المواجهة بين روسيا والغرب من ناحية، وكيف يمكن أن تستفيد الأمة العربية والإسلامية من التغيرات الدولية التي سوف تنتج عن هذا الصراع من ناحية أخرى.  الأمل يحدونا أن نكون قد وُفّقنا في ذلك، وأن يكون هذا البحث مقدمة للمزيد من الدراسات الاستراتيجية العملية الني تخدم مصالح العالم العربي والمسلم، وتُعلي من شأنه.  كان هذا هو هدفنا من الكتابة والبحث، فإن وُفّقنا إليه، فهذا من فضل الله تعالى، وهو الموفق والهادي إلى كل خير.