وحدات المركز > وحدة العلاقات الدولية > القوة العسكرية وحسم الصراعات...

القوة العسكرية وحسم الصراعات

الولايات المتحدة نموذجا

بشير عبد الفتاح

الكتاب من إصدارات المركز العربي للدراسات الإنسانية ضمن ساسلة رؤى معاصرة

ملخص الكتاب

لما كانت ظاهرة الصراع قد إرتبطت بالجنس البشرى منذ بدء الخليقة،فقد مثلت الرغبة المستمرة فى إمتلاك وتطوير أسباب القوة  مكونا رئيسيا من مكونات التفاعلات الإنسانية بين الأفراد ،و محورا مؤثرا وركيزة أساسية للعلاقات بين الدول. ومع تطور التاريخ البشرى،وبروز الإمبراطوريات ثم ظهور الدولة القومية إثر صلح وستفاليا عام 1648  ،أضحت "القوة العسكرية" وكذا إرادة استخدامها تمثلان أبرز مقومات القوة الداخلية والعامل الحاسم في تحقيق أهداف وغايات السياسة الخارجية للدول الكبرى  .وقد ساعد ظهور علم العلاقات الدولية مطلع القرن المنصرم ، وتبلور النظريات الواقعية التى ما برحت تؤكد  على أن الدولة هى الفاعل الرئيسى الوحيد فى العلاقات الدولية ومن ثم فهى وحدة دراستها،على تعاظم أهمية القوة العسكرية  بالرغم من تنامى أهمية الآليات الدبلوماسية كأحد أدوات السياسة الخارجية للدول بعد توقيع معاهدة فيينا فى العام 1916 لتنظيم العلاقات الدبلوماسية بين الدول ،حيث ظلت القوة العسكرية تتصدر أدوات السياسة الخارجية للدول ووسائلها لتحقيق أهدافها وغاياتها ، ليترسخ بذلك الطرح، الذى روجت له المدرسة الواقعية فى دراسة العلاقات الدولية وسيطر على العقل البشرى طيلة قرون  والقائم على إعتبار القوة العسكرية محور وأساس القوة الشاملة للدولة، وآليتها المثلى و الأمضى تأثيرا فى حسم الصراعات .

بيد أن تطور النظام الدولى قد حمل فى طياته تغيرات شتى على كافة المستويات ،بما فى ذلك ترتيب وتصنيف الفاعلين الرئيسيين على الساحة الدولية وطبيعة علاقات القوة فيما بينهم ،ومن ثم برز فاعلون دوليون مؤثرون فوق مستوى الدول كالمنظمات الدولية، وآخرون دون هذا المستوى كالتنظيمات المسلحة والجماعات المنظمة ،التى غالبا ما درج الغرب على نعت بعضها ب"المتطرفة" و ب"الإرهابية" ،وقد كان لمثل هذه المنظمات الدولية وكذا الشركات العالمية متعددة الجنسية أو حتى الجماعات والمنظمات ذات الإمتدادات والتفريعات دولية الطابع دورا محوريا ومؤثرا على الساحة الدولية ،على نحو دفع بمنظرى العلاقات الدولية إلى البحث والتمحيص من أجل صياغة نظرية جديدة تستوعب مثل هذه التطورات وتراعى دور هؤلاء الفاعلين الدوليين الجدد ،بل وتعيد النظر فى مدى فاعلية وجاهزية القوة العسكرية كآلية مثلى لحسم الصراعات وتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول.

ولقد كان إخفاق القوى الدولية والإقليمية فى تحقيق أهدافها وغاياتها، وحسم صراعاتها البينية ،وجنى ثمار تدخلاتها الخارجية من خلال الإعتماد بشكل أساسى على القوة العسكرية ،من بين المحفزات التى إستحثت خبراء العلاقات الدولية على  إعادة تقويم مكانة وأهمية الإعتماد على القوة العسكرية وحدها  كآلية فاعلة لحسم الصراعات،وإنجاح التدخلات ، وتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول .إذ لم يعد تفنن الدول الكبرى فى تطوير قدراتها العسكرية وآلتها التدميرية ضامنا لبقائها فى مرتبة متقدمة على سلم القوى الدولى،أو لقدرتها على تحقيق أهدافها على النحو المطلوب .

وتعد الحالة الأمريكية خير محفز على إعادة تقويم مكانة القوة العسكرية ودورها فى حسم الصراعات وتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول ، ذلك أن السياسة الأمريكية قد إعتمدت منذ بواكيرها على القوة العسكرية وعلى الصراع كأدوات للتوسع والهيمنة وإستنزاف موارد العالم ،ولم تكف الإدارات الأمريكية عن التدخل العسكرى فى الخارج لتحقيق تلك الغايات، حتى جاوز التدخل العسكرى الأمريكى فى العالم الثلاثمائة مرة ،غير أنه لم يحالف النجاح إلا القليل جدا منها وكان الفشل هو السمة الغالبة عليها جميعا بدرجات متفاوتة ،حتى القليل جدا الذى نجح كانت كلفته السياسية والإقتصادية والبشرية تفوق ما صاحبه من نجاحات محدودة الأثر.

لذلك،أفضى الإخفاق المدوى ،الذى منيت به القوة العسكرية الأمريكية فى مواضع شتى من العالم ،والتى كان من أبرزها فيتنام فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى ،مرورا بالصومال مطلع تسعينياته ،ثم فى أفغانستان والعراق مؤخرا،إلى أن يطرح التساؤل نفسه بقوة : هل ما زالت القوة العسكرية أداة فاعلة ومجدية فى حسم الصراعات وتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول؟! تساؤل نحسبه يستحق الطرح  ويستجدى منا الإجتهاد محاولة للإجابة عليه .