وحدات المركز > وحدة العلاقات الدولية > النفوذ الإيراني الناعم في القارة الإفريقية

النفوذ الإيراني الناعم في القارة الإفريقية

 د. السيد عوض عثمان

الكتاب من إصدارات المركز العربي للدراسات الإنسانية ضمن ساسلة دوليات

 

موجز للدراسة:

تتوافر للمراقب السياسي إمكانية رصد حقيقة تصاعد حجم النفوذ الإيراني في القارة السمراء الواعدة، رغم كونه في طور النشوء، وحديث العهد بالمقارنة بغيره من النماذج الأخرى، في ضوء مساع حثيثة، مخططة ومبرمجة، بل ومؤسسية، لوضع موطئ قدم، وكثمرة حصاد لتعزيز الوجود السياسي والاستراتيجي، والاقتصادي، والمذهبي، والاستثماري في هذه القارة، في سياق التوجهات الرئيسة للسياسة الخارجية الإيرانية، وطبيعة التوجه الاستراتيجي الإيراني صوب بناء تحالفات إقليمية، ودولية، تشمل معظم مناطق العالم غير الغربي، في آسيا وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا.
وباتت محورية الاهتمام بإفريقيا، بأقاليمها المختلفة، علامة بارزة في عملية صياغة السياسة الخارجية الإيرانية، لتحقيق جملة من الأهداف المتداخلة، والمتشابكة، ولتوكيد الحضور الإيراني وسط مزاحمات وتنافسات، إقليمية، ودولية.
ويمكن القول بأن الاهتمام الإيراني بالقارة يعود إلى عقدي الستينيات، والسبعينيات من القرن الفائت، حين شرعت إيران، أثناء فترة حكم الشاه، وعقب استقلال الدول الإفريقية، في إقامة علاقات دبلوماسية مع دول القارة. وقد ارتبط دور إيران بطبيعة مكانتها ضمن النسق الذي توجد ضمنه: فقد كانت في فترة حكم الشاه، تقوم بدور الـ«تابع» للسياسة الخارجية الأمريكية، وأيضًا بدور الـ«وكيل» لأمريكا في الشرق الأوسط، وانتهى هذا الدور بسقوط الشاه، وأصبحت الدولة الإيرانية تتبنى دور المدافع عن العقيدة، الناشط المستقل عن الأحلاف العالمية، وقاعدة الثورة الإيرانية العالمية.
غير أنه بعد قيام الثورة الإيرانية الإيرانية، في عام 1979م، وإعلان الجمهورية الإسلامية في إيران، تراجعت في السنوات التالية للثورة العلاقات الإيرانية – الإفريقية، نتيجة الاضطرابات التي أعقبت الثورة، ومحاولات إكسابها الشرعية، وحمايتها من الانتكاسة، والمؤامرات الداخلية والخارجية، لما تعنيه وتجسده هوية وطبيعة هذه الثورة، من ناحية أخرى، يعزى هذا التراجع إلى انشغال الجمهورية الإسلامية الوليدة في حربها مع العراق، من عام 1980 – 1988م.
بيد أنه مع بداية التسعينيات، شهدت عودة الاهتمام الإيراني مرة أخرى بالقارة الإفريقية، كما برز الحرص على تشكيل «لجنة إفريقيا»، ضمن بنية، وهيكلية وزارة الخارجية الإيرانية، كإطار مؤسسي، وكخطوة مهمة في مسار تحقيق الأهداف المرجوة، والمنشودة من العلاقات مع القارة الواعدة. ثم تكلل ذلك بتعيين نائب لوزير الخارجية لشئون إفريقيا، يعنى بتوثيق وترقية هذه العلاقات. وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري، تم إنشاء «منظمة تطوير التجارة مع الدول العربية والإفريقية»، والتي عقدت في شهر مايو 2009م، ندوة لتعاون إيران – إفريقيا، وحسب ما صرح به الأمين العام لهذه المنظمة، حسين حسيني، فإن إيران قد بلورت خطة تشتمل على 48 مشروعًا لتوسيع العلاقات مع الدول الإفريقية. وكانت إيران قد عقدت، في فبراير من عام 2007م، مؤتمرًا مماثلاً، انصب على الإمكانيات التجارية القائمة بين إيران وإفريقيا.
ومما له صلة، تتبدى دلالة جولة الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي، لسبع دول إفريقية، في يناير 2005م، والتي تعد النواة الحقيقية الأهم في الانفتاح على العالم، منذ تولى الرئيس خاتمي الرئاسة في عام 1997م، وللإعلان عن دور فاعل لإيران في إفريقيا، على رأس وفد رفيع المستوى. ويعتبر كثير من الخبراء أن هذه الزيارة مثّلت المنعطف الأبرز في التعاون الثنائي بين إيران وإفريقيا، وتحسين العلاقات بين الطرفين وتنميتها، ووضعها في مسارها الطبيعي، وتعزيز القواسم المشتركة لمواجهة المتغيرات، والتحديات الإقليمية، والدولية، خاصة مع تزايد الإدراك الإيراني لحقيقة أن القارة السمراء بمقدورها أن تمثل لها بوابة الخروج الحر نحو العالم عبر المياه الدولية، وتوفر لها محطات تجارية، وغير تجارية على المحيطين الهندي، والأطلنطي.
وتزايدت حدة التحذيرات بشأن خطورة الأنشطة الإيرانية في القارة الإفريقية، والتي تفاقمت في ولايتي الرئيس محمود أحمدي نجاد، والذي يضع القارة السمراء على رأس قائمة أولوياته، وتحظى بأفضلية، وتشكل مركزًا مهمًّا في سياسته الخارجية الطموحة، ويبذل جهودًا مضنية من أجل ترسيخ الوجود الإيراني فيها، خاصة بسبب كونها أغنى وأكثر القارات ثراء، ولذا فإنه يتوجب على بلاده العمل على توسيع رقعة التعاون معها، وذلك عبر التحرك على عدة جبهات. وفي هذا السياق، يبدو الحرص على لقاءات القمة، وتكثيف الاتصالات، والزيارات المتبادلة.
1- أهمية الدراسة:
تحاول هذه الدراسة معالجة النفوذ الإيراني الناعم في إفريقيا، وبيان حجم هذا النفوذ في عموم القارة، ومناطقها المختلفة، وكيفية تجسيده بصورة مرحلية ومؤسسية، وإلقاء مزيد من الضوء حوله، والتنبيه على مخاطره وتحدياته، وانعكاساته الراهنة والمستقبلية، وتهديداته المباشرة التي تنال من أسس الأمن القومي الإسلامي والعربي في صياغاته الكلية، وفي امتداداته الإفريقية، سواء لجهة اختراقه للنظم الأمنية والإقليمية الخاصة بالقرن الإفريقي، في ضوء اختراقات القوى الدولية والإقليمية، وما تستهدفه إيران والكيان الصهيوني من مسعى إشعال وتفجير الخلاف بين دول المنبع والمصب لحوض النيل، ومحاولة تفجير مناطق الأطراف للنظام الإقليمي العربي في إفريقيا، بما يعنيه كل ذلك من استهداف المصالح العربية في العمق الإفريقي، وبالتالي لفت الانتباه لخطورة هذا النفوذ الآخذ في التزايد، بما يمكن من تحديد سبل وآليات مواجهته، خاصة في ضوء محدودية الكتابات العلمية المعمقة، والتراكم المعرفي والمعلوماتي، وندرة المصادر الأصلية، والتي فرضت على الباحث المزيد من الجهد، وإبراز حقيقة تنوع وتكاملية الأدوات، والوسائل المستخدمة لتنفيذ وتجسيد ما تستهدفه الدبلوماسية الإيرانية في القارة.
2- تساؤلات الدراسة:
تنطلق هذه الدراسة من تساؤل رئيس يتعلق بكيفية تمكن الدبلوماسية الإيرانية، وفي زمن وجيز، نسبيًّا، من تحقيق هذا النفوذ المتنامي، والمرشح لمزيد من التزايد في الفترة المقبلة. بعبارة أخرى يمكن صياغة هذا التساؤل في صورة فرضية الدراسة: هل تمثل سياسة «القوة الناعمة» – على النحو الذي سيرد إيضاحه – أي المساعدات التنموية التي تقدمها للدول الإفريقية، ولكسب عقول وقلوب الأفارقة، «المتغير المستقل» في أغلب الأحيان الذي وظَّفته السياسة الخارجية الإيرانية، في تحقيق النفوذ والمكانة، والعلاقات الوطيدة مع معظم دول القارة، بينما تمثل الاعتبارات السياسية والمذهبية والتجارية والأمنية «المتغير التابع»، الذي تولد وتدعم بفعل مخرجات المتغير المستقل.
وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، على نحو ما ستكشف عنه الدراسة، فإن ثمة أسئلة فرعية تطرح نفسها، وفي الصدارة منها، أين موقع الدعوة للتشيع في تفسير النفوذ الإيراني محل البحث؟ وهل هو هدف مركزي؟ أم نتيجة متولدة عن المتغير المستقل، والتوافق في المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها؟ وهل كانت الدبلوماسية الإيرانية تدرك خصوصية كيفية التعامل مع كل دولة إفريقية، في ضوء مدخلات هذا التعامل، ثم مخرجاته، وتغذيته المعادة؟
وعلى سبيل المثال، هل تعاملت السياسة الخارجية الإيرانية مع كتلة الدول العربية الإفريقية بذات الأسلوب السياسي والمذهبي الذي تتعامل به مع بقية البلدان الإفريقية؟ وهل كان ذلك مقرونًا ببعض المشكلات الحادة، والسياق العام للعلاقات العربية – الإيرانية وتعقيداتها؟
وفى ضوء ما سوف يكشف عنه التحليل المقارن للنفوذين الإيراني والصهيوني في القارة الإفريقية، ومحاولة السياسة الخارجية الإيرانية الاستفادة من الخبرة الصهيونية، وأدواتها وآلياتها، وتوظيف كلاهما لسياسة القوة الناعمة في اختراق الدول الإفريقية، فالتساؤل يتعلق بطبيعة المصالح: هل تتلاقى بصورة مباشرة، أو غير مباشرة؟ هل تتصادم بفعل اختلاف الدوافع لكلاهما؟ وكيف يديران الصراع حول المصالح المهمة في المناطق الحيوية من القارة، خاصة في غرب، وشرق القارة؟
3- خطة الدراسة:
يتكون الإطار العام للدراسة من:
مقدمة منهاجية عامة.
الفصل الأول: خريطة النفوذ الإيراني في القارة الإفريقية.
المبحث الأول: النفوذ الإيراني في منطقة الحزام الإسلامي في غرب إفريقيا.
المبحث الثاني: النفوذ الإيراني في منطقة شرق إفريقيا وحوض النيل.
المبحث الثالث: النفوذ الإيراني في الجنوب الإفريقي وشمال إفريقيا.
الفصل الثاني: مداخل وأدوات وأهداف التغلغل الإيراني في إفريقيا.
المبحث الأول: إيران ودبلوماسية القوة الناعمة.. المساعدات التنموية.
المبحث الثاني: إيران ودبلوماسية النفط ودعم العلاقات التجارية والاقتصادية.
المبحث الثالث: الأداة المذهبية وحصاد التمدد الشيعي.
الفصل الثالث: مخاطر النفوذ الإيراني في إفريقيا على الأمة العربية والإسلامية
رؤية ختامية : آليات ووسائل مجابهة النفوذ الإيراني في إفريقيا.
الهوامش والمصادر.
الإطار الزمني للدراسة:
يتحدد النطاق الزمني للدراسة في الفترة ما بعد قيام الثورة الإيرانية في إيران، أي من عام 1979م، وحتى عام 2010م، أي قرابة ثلاثة عقود، لإبراز التحولات في السياسة الخارجية الإيرانية، من محاولة تصدير مبادئ الثورة الإيرانية والنموذج الإيراني عالميًّا، وانعكاسات ذلك على العلاقات الإيرانية – الإفريقية، ومواطن النجاح والفشل في ذلك، ثم وضعية انفتاح نظام الرئيس محمد خاتمي، وصياغة علاقات جديدة لا تفرض بالضرورة التدخل في الشئون الداخلية لأي بلد، والتعايش السلمي، والحوار بين الحضارات، رغم أهمية نشر وتمدد المذهب الشيعي، ولكن الانفتاح على العالم بطريقة برجماتية متحررة إلى حد ما من القيود الأيديولوجية.