وحدات المركز > وحدة الترجمات > تجميد المعونة بدون استراتيجية.

تجميد المعونة بدون استراتيجية.
ترجمة وحدة الترجمة بالمركز العربي للدراسات
كايرو ريفيو أوف جلوبال أفيرز.

في أوائل شهر يوليو حلقت مروحيات الأباتشي على ارتفاع منخفض في سماء القاهرة تعبيراً عن القوة بعد الإطاحة العسكرية بالرئيس محمد مرسي، ومع مطلع هذا الشهر حلقت أيضاً ستة عشر طائرة من طراز F16 وشكلت أسراب جماعية في سماء المدينة احتفالاً بذكرى نصر أكتوبر 1973. فقد أصبحت المعدات العسكرية الأمريكية الآن سمة واضحة في سماء القاهرة ولكن سياسة الولايات المتحدةـــــ و المعونة العسكرية المُقدمة لمصر ــــ لا تزال غامضة حتى الآن.

فيما أعلنت واشنطن هذا الأسبوع عن خفض قيمة المعونة المقدمة للقاهرة والتي تُقدر سنوياً ب1.3 مليار دولار وسوف تخصم الولايات المتحدة 260 مليون دولار والتي تُقدم نقداً وستوقف توصيل المعدات العسكرية الأمريكية كجزء من سياسة" إعادة التقويم" التي يتبناها الرئيس باراك أوباما، وعلى الرغم من هذه المستقطعات إلا أن التعاون الأمني لا يزال مُستمر. وفي مؤتمر عبر الهاتف مع بعض الصحفيين أُجري يوم 9 أكتوبر صرح مسئول أمريكي كبير شريطة عدم الكشف عن هويته أن واشنطن" ستستمر في التواصل وتقديم المساعدة لخدمة الأهداف الأمنية الحيوية مثل مكافحة الإرهاب والتصدي لانتشار الأسلحة النووية وضمان الأمن في سيناء وسيستمر دعمنا أيضاً للتدريب العسكري و التعليم و توفير قطع الغيار للمعدات العسكرية وخدمات تركيبها" فتجميد المعونة ليست إلا مجرد لفتة رمزية ومثال آخر على أن إدارة أوباما قد أخطأت في العديد من الأمور فيما يتعلق بالسياسة المصرية.

فقد كانت واشنطن مضطربة منذ البداية في كيفية التعامل مع مستجدات الأمور على الساحة المصرية في مرحلة ما بعد مبارك وقد أبطأت إدارة أوباما في الاعتراف بأن ما حدث في يناير 2011 في ميدان التحرير كان ثورة شعبية، وفي يناير 2012 أخبرني نائب مستشار الأمن القومى الأمريكى للاتصالات الاستراتيجية بن رودس،" إننا مستمرون في دعم الحكومة كلما أخذت خطوات ملحوظة لإنهاء المرحلة الانتقالية ونود أن نراهم ينفذون خارطة الطريق" لكن المدهش هو أنه بعد عامين تقريباً، أصبحت التصريحات الصادرة من الجهات الرسمية مُفرغة من محتواها. وعلاوةً على ذلك، بذلت الولايات المتحدة جهوداً مضنية لتجنب مناقشة ما إذا كان ما حدث في مصر من الإطاحة بمرسي يُسمى إنقلاب ـــــ فالكلمة بمعناها الحقيقي يترتب عليها آثار قانونية بالنسبة لواشنطن، لأن قانون الولايات المتحدة يمنع تقديم المساعدة للدول التي يُطيح فيها الجيش بالحكومات المنتخبة. وأفضل الأمثلة لهذه التصريحات البلاغية المتسمة بالحيل و التي أذكرها هنا هي ما ذكره مسئول أمريكي وفض الكشف عن هويته لمجلة نيو يورك تايمز في يوليو:" لن نقول إنه انقلاب، ولن نقول إنه ليس إنقلاباً، ولن نقول أي شيء" وسوف يسخر أورويل من مجرد اعتماد واشنطن على" أقبح وأغمض" تعبيرات اللغة الإنجليزية، إنها ليست بديلاً أبداً عن الاستراتيجية.

إن استمرار تقديم برامج المساعدة أهم بكثير من الدعم النقدي الذي تم خفضه فالمسئولون العسكريون المصريون الذين يدرسون في كلية الحرب الأمريكية لا يعبروا فقط عن قوة العلاقة بين جيشي مصر والولايات المتحدة ولكن هذه المنح الدراسية التي تُقدمها الولايات المتحدة تعتبر أيضاً هدايا ترويجية ثمينة تُشبه الحفلات التي تُقام للصحفيين وفرص التفرغ والتدريس التي تُمنح للأكاديميين. وفي إحدى المؤتمر الهاتفية قال أحد المسئولين يوم الأربعاء" إن التعليم والتدريب العسكري الذي يقدمه جيشنا يعتبر رمزاً حقيقياً لعلاقتنا القوية الطويلة مع مصر"، فمن خلال منح الشخصيات العسكرية المصرية فرص الدراسة مع نظرائهم الأمريكيين تستطيع واشنطن مقاومة أي جمود أو تعنت من القاهرة كما أنها تعمل على تعميق العلاقات بين الجيشين. ولعل هذه الرسالة تناقض تماماً رسالة أخرى لمسئول آخر رفض ذكر اسمه في نفس المؤتمر الهاتفي أن خفض المعونة يبعث رسالة واضحة" حول اهتمامنا بأشياء قلنا قبل ذلك إننا مهتمين بها بالفعل" فهل هناك أي غموض حول هذه الرسالة؟.

وبدلاً من ذلك، فقد تجنبت واشنطن الانتقاد الصريح للمجلس العسكري المصري و سوء استخدامه لأسلحة الولايات المتحدة حيث أخلى الجيش بكل عنف الاحتجاجات السلمية وشن حملات قمع ضد المجموعات الإسلامية إلى جانب بدء عمليات عسكرية فتاكة خاصةً في سيناء لكن مسئولين في الإدارة الأمريكية قدموا مجرد إجابات غير شاملة للأسئلة التي و جهتها الفيالق الصحفية لهم حول الأحداث سابقة الذكر. وقد ذكر أحد المسئولين يوم 9 أكتوبر في مؤتمر هاتفي" صراحةً، هناك تطورات تقودنا إلى الاتجاه المخالف مثل مد قانون الطوارئ وفرض قيود جديدة على الصحافة ومحاكمة مرسي واعتقال بعض زعماء المعارضة بدون تهمة" ولكن يبدو أن هذه القضايا لم يتم مناقشتها في اتصال وزير الدفاع الأمريكي هاجل بالجنرال عبدالفتاح السيسي، ويعد هذا هو الاتصال العشرين بينهم منذ يوليو.
بينما تقوم المراكز البحثية المؤثرة في واشنطن بالتركيز على مسألة النفوذ الأمريكي على السياسة الداخلية المصرية وما هي أسباب، وعواقب، قطع المعونة وفي هذا الصدد قدمت وكالات الأنباء اقتباسات وفيرة للعديد من الرؤساء معظمهم مسئولين سابقين بالإدارة الأمريكية. وقد توصلت المؤسسات السياسية في واشنطن بما في ذلك أصحاب المناصب الفيدرالية، جماعات الضغط، والاستشاريون، والمعلقون ووسائل الاعلام إلى هذه النهاية وهي أن المعونة الأمريكية لا تشتري أي نفوذ على مصر بحجة أن قطع المعونة عن مصر أمر غير مجدي وينتقص في الواقع من مصالح الولايات المتحدة فالأمر برُمته مجرد حشو فبما أن المعونة لا تُمثل أي نفوذ فيتعين على واشنطن الاستمرار في تقديمها، إذا اتفقنا على أن المساعدة الأمريكية لمصر لا تؤدي دورها المقصود فلماذا نستمر إذاً في تقديمها؟. إن أساس هذه الحزمة العسكرية الضخمة من المساعدات هو معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979؛ فينبغي أن يكون هذا الموضوع هو محور المناقشة بدلاً من فكرة كون المعونة" نفوذ" أمريكي مجرد على مصر.

وإذا تأملنا التحذيرات الكثيرة الصاخبة المُصاحبة لتصريحات كبار المسئولين الأمريكيين فإننا نجزم بفشلهم في التعامل مع المشكلة المصرية المُهلكة الحالية، ففي مصر فقدت البضائع الأمريكية مخابئها( فقدت أمريكا مخزونها الاستراتيجي) وفي القاهرة سألني الكثير لماذا يدعم أوباما" الإرهابيين"، وهو الاختزال الجديد الذي يوصف به جماعة الإخوان المسلمين، فيما وصل النقد اللاذع لأمريكا وللسفيرة الأمريكية السابقة آن باترسون على وجه الخصوص إلى أعلى درجاته لقد وصل إلى مستوى الهجمات الشخصية وأصبحت اللافتات والرسوم المتحركة الآن تحمل صور أوباما و باترسون واسامة بن لادن.
وعلاوةً على ذلك، فقد جعلت واشنطن من نفسها شيطاناً من خلال إجلاء موظفي السفارة غير الرسميين في 5 يوليو و حذرت من السفر وألغت منحة زمالة فولبرايت( وللتوضيح: أنا شخص ممن تأثروا بفولبرايت)، فهذه إحتياطات مفهومة على المستوى الأمني ولكنها كانت ضربة موجعة للدبلوماسية العامة.

إن الرسائل الدبلوماسية و العسكرية المتناقضة توحي بمدى ضعف الولايات المتحدة في التعامل مع أحد أهم حلفائها في الشرق الأوسط، وإذا أرادات واشنطن قطع المعونة فيجب أن تتحكم في الدوي الصاخب الذي سيصاحب هذا التغير السياسي الجديد وليس مجرد الكلام فقط فعليها إذاً البدء بالتعبير عن الاشمئزاز من الفيضانات العسكرية من الدبابات وناقلات الجنود الموجودة بشكل دائم أمام المراكز الحضرية وكذلك التواجد المفرط وتحقيق ( أعلى مستوى من التحليق بطائرات F16 صاحبة أعلى معدلات حوادث تحطم في العالم، فمن السخيف تحليق طائرات مقاتلة بشكل شبه يومي في سماء القاهرة). لكن قطع المعونة مع الحفاظ على مستوى عالٍ من التدريب والتعاون يُعد أسوأ من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن: إنه اعتراف بعجز واشنطن التام تجاه القاهرة. إن أخطر ما في الأمر هو عدم عرض إدارة أوباما لأي بادرة إيجابية تجاه الاستراتيجية المتوقعة لل" المرحلة الانتقالية" المصرية، حقيقةً، إن واشنطن لا تعرف حتى ما هو المتوقع حدوثه من القاهرة.