وحدات المركز > وحدة الترجمات > تخيل إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط- نيويورك تايمز.

تخيل إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.
ترجمة وحدة الترجمة بالمركز العربي للدراسات

نيويورك تايمز.

تُعد خريطة الشرق الأوسط الجديد و الذي يمثل المحور الاقتصادي و السياسي للنظام العالمي في حالةٍ يُرثى لها لأن سوريا المُدمرة الآن هي نقطة الانطلاق كما أن قوى شر الكامنة في المعتقدات المختلفة و القبائل والعرقيات المتنافسة ـــــ والتي أوضحتها لنا عواقب الربيع العربي ــــ قد مزقت الإقليم ووضعت له حدود بمعرفة القوى الاستعمارية خلال القرن الماضي وساعد على حماية هذه الحدود الحكام العرب المستبدين.

كيف تنقسم 5 دول إلى 14
إن تغير الخريطة سيعد تغييراً استراتيجياً في اللعبة السياسية وسيقلب موازين الجميع، لأن التحالفات ستُعيد تشكيلها و ستختلف التحديات الأمنية والتجارية و تدفقات الطاقة لكل دول العالم، والبداية هي سوريا بما تملكه من موقع استراتيجي خطير وريادي يجعلها المركز الحيوي للشرق الأوسط على الرغم من التعقيدات الموجودة بداخلها مثل التنوع العرقي و الديني ولذا فهي دولة هشة. ولقد عانت سوريا من الانقلابات المستمرة لمدة 24 عام من 1949 حتى 1970 ثم استقلت بعد أن استطاع حافظ الأسد تولي مقاليد الحكم بعد ذلك، الآن وبعد 30 شهر من سفك الدماء السوري تغيرت الموازين تغيراً مميتاً أسفر عن مقتل الشعب وخراب البلاد حيث انهارت سوريا إلى ثلاث مناطق منشقة لكل منهم علمه وأمنه الخاص به و الخريطة المستقبلية تتشكل: دويلة ضيقة على طول ممر من الجنوب تمتد عبر دمشق وحمص و حماة إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط الشمالي تسيطر عليها الأقلية العلوية ومنها آل الأسد. في الشمال، هناك كردستان الصغيرة، تتمتع بالحكم الذاتي الى حد كبير منذ منتصف عام 2012، أما القطعة الأكبر من سوريا فباتت المعقل الذي يهيمن السنة عليه.
وسيشكل تفكك سوريا سابقة في المنطقة، بدءاً من العراق الدولة المجاورة. و التي تقاوم حتى الآن ضد التمزق بسبب الضغوط الخارجية، والخوف الإقليمي من ان تصبح العراق قوة واحدة وبسبب الثروة النفطية لكن سوريا راحت تسحب العراق الآن الى دوامتها.
" إن المعارك تندمج" كما اشار مارتن كوبلر مبعوث الامم المتحدة أمام مجلس الأمن فى شهر يوليو الماضى" فالعراق هي خط الصدع بين العالم الشيعي والسني كما أن كل ما يحدث في سوريا يؤثر بلا أدنى أشك على تشكيل المسار السياسي في العراق".

ومع مرور الوقت، من الممكن أن تشعر الأقلية السنية في العراق ـــ خاصةً في محافظة الأنبار الغربية ــــ بقواسم مشتركة أكثر مع الأغلبية السنية في شرق سوريا وستمتد الروابط القبلية و تهريب الأشخاص عبر الحدود ومن ثم ستتحد هذه الأجزاء لتشكل بحكم الواقع منطقة سنية رسمية. لكن جنوب العراق سيصبح شيعي على الرغم من أن الفصل لن يكون مُتقن.
أما الأحزاب السياسية البارزة في الإقليميين الكرديين في سوريا والعراق فلديهم خلافات منذ زمنٍ بعيد ومع ذلك حينما فُتحت الحدود في أغسطس انطلق أكثر من 50.000 من أكراد سوريا إلى كردستان العراق ليشكلوا بذلك مجتمعات جديدة عبر الحدود. فيما أعلن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان بالعراق، عن خطط لاجتماعات القمة الأولى لحوالي 600 كردي من 40 حزب من العراق وسوريا و تركيا وإيران في خريف هذا العام.

" نشعر الآن بأن الظروف مواتية" طبقاً لما قاله كمال كركوكي، الرئيس السابق لبرلمان إقليم كردستان العراق، حول محاولة حشد وتجميع الأكراد المشتتين لمناقشة مستقبلهم. لقد لعب الدخلاء كثيراً في منطقة الشرق الأوسط ولفترة طويلة: ماذا كان الوضع إذا لم تُقسم الإمبراطورية العثمانية على أيدي الدخلاء بعد الحرب العالمية الأولى؟ أو تم رسم الخريطة بشكل يعكس الحقائق و الهويات الجغرافية؟. خرائط تمثل إعادة تكوين العرب الغاضبين الذين تملؤهم الشكوك حول المؤامرات الأجنبية بخصوص تقسيمهم وإضعافهم في كل مرة.
ولم أكن أبداً لاعب مؤثر في رسم الخريطة لقد عشت في لبنان خلال الحرب الأهلية التي استمرت 15 عام و رأيت أنها ستحافظ على الانشقاقات بين 18 طائفة ولم أتوقع أيضاً أن العراق ستنشق خلال أبشع حوادثها القتالية في 7/ 2006 لكن هناك أمور غيرت تفكيري. 
فقد كان الربيع العربي هو مادة الحريق حيث لم يرد العرب فقط الإطاحة بالحكام الديكتاتوريين ولكنهم أيضاً أرادوا السلطة اللامركزية ليعكسوا الهوية المحلية وليربطوا الحصول على الحقوق بكم الموارد المتاحة، وهكذا أرادت سوريا الاحتفاظ بالمباراة لنفسها و بالحكمة التقليدية حول جغرافيتها.

فيما سيتم رسم الحدود الجديدة بطرقٍ متباينة ومن المحتمل أن تكون فوضوية أيضاً لأن الدول ستتمزق من خلال مراحل الحكم الفيدرالي أو التقسيم الناعم أو الحكم الذاتي وتنتهي بالانفصال الجغرافي. كما بدأت ثورة ليبيا ضد العقيد معمر القذافي ولكنها عكست أيضاً رغبة بنغازي في الانفصال عن استبداد طرابلس وكذلك القبائل المختلفة فأهل طرابلس يتطلعون إلى المغرب أو غرب العالم الإسلامي بينما يتطلع أهل برقة إلى المشرق أو شرق العالم الإسلامي، بالإضافة إلى ذلك الحصول على عائدات النفط الكبيرة على الرغم من أن مخزون الشرق حوالي 80%.
ولذلك ستنقسم ليبيا إلى منطقتين أو ثلاثة فقد أعلن المجلس الوطني في برقة في شرق ليبيا استقلاله في يونيه كما فصل إقليم جنوب فيزان الهويات الجغرافية والقبلية ومن الممكن أن تنشق أيضاً المناطق السهلية صاحبة الثقافة و الهوية و القبائل المختلفة.

أما الدول الأخرى المفتقرة إلى الإحساس بالهوية العامة أو المتوافق عليها أو الانتماءات السياسية المتماسكة فهي دول ضعيفة خاصةً في مرحلة الديمقراطيات الناشئة و التي تهدف إلى استيعاب الدوائر المتباينة و التوقعات الجديدة.

فيما قامت اليمن في مارس ببدء حوار وطني جديد بشكل متقطع، عقب الإطاحة بديكتاتور دام حكمه طويلاً، بهدف وضع أسس نظام جديد ولكن في بلدٍ مثل اليمن عانى من تمزقٍ شديد على أيدي المتمردين في الشمال والانفصاليين في الجنوب فإن النجاح الدائم يجب قيامه على تبني فكرة الاتحاد والسماح للجنوبيين بالاستفتاء على إمكانية الانفصال.
ومن ثم حظيت هذه الخريطة الجديدة التي تتحدث عن التقسيم بالاهتمام الكبير بالإضافة إلى أن العرب في حالة مستمرة من الصخب بسبب الجزء الجنوبي من اليمن والذي اندمج في النهاية مع السعودية لأن مُعظم الجنوبيين سُنيين، كما هو الحال مع معظم السعوديين، ولديهم عائلات في المملكة السعودية كما أن فقراء اليمن، وإن كانوا أفقر العرب، بإمكانهم الاستفادة من ثراء السعودية. وفي المقابل ستستطيع السعودية الحصول على مدخل إلى بحر العرب واستخدامه كممر تجاري هام بل ستستقل السعودية عن الخليج الفارسي وتكون في مأمن من مخاوف سيطرة إيران على مضيق هرمز.

وإن كانت أكثر الأفكار خيالية هي محاولة بلقنة السعودية الدولة التي يتكرر فيها للمرة الثالثة صراع قبلي بالقوة تحت الإسلام الوهابي الجامد، فالمملكة إذاً تبدو قوية ومتحضرة متخفيةً في ناطحات السحاب الزجاجية والطرق السريعة الواسعة والمُكونة من ثماني حارات ولكن لا يزال بها ثقافات متباينة وهويات قبلية مختلفة وتشهد أيضاً توترات بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية، خاصةً في منطقة الشرق الغنية بالبترول.

أضف إلى ذلك التوترات الاجتماعية التي تزداد بعمق بسبب الفساد المستشري بنسبة 99% وبطالة الشباب التي تمثل حوالي 33% في دولة منغمسة في الملذات قد تصبح مضطرة بعد ذلك إلى استيراد النفط في عقدين، وبينما تنتقل الملكية الآن إلى جيل جديد فإن آل سعود ستتولد لديهم الحاجة إلى خلق أسرة حاكمة جديدة من آلاف الأمراء، وهو أمرٌ مثيرٌ للجدل.
وربما تظهر تغييرات بعد ذلك وتصبح وقائع حقيقة، ومن الممكن أيضاً عودة نظام الدولة ذات المدينة الرئيسية أو حتى تطبيق بشكل فني داخل الدولة، مثل بغداد، الواحات الكثيرة المكونة من هويات متعددة، و مصراتة المدينة المسلحة جيداً وثالث أكبر مدينة ليبية، أو المناطق المتجانسة مثل جبل الدروز في جنوب سوريا.
وبعد قرن من الاتفاقية التي وضعها السير البريطاني مارك سايكس و الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو لتقسيم المنطقة فإن جذور القومية لا تزال موجودة بدرجاتٍ متفاوتة في الدول التي عُرفت أولاً بالاتجاه الإمبريالي و الانشغال بالتجارة بدلاً من المنطق. لكن السؤال الآن هو ما إذا كانت هذه النزعة القومية أقوى من المصادر القديمة للهوية خلال عهد الصراع أو عصر التحولات الصعبة. 
فالسوريون يزعمون أن القومية ستسود حينما تنتهي الحرب فالمشكلة إذاً تكمن في وجود أكثر من قومية في سوريافا" لتطهير" إذاً يعتبر مشكلة كبرى و الصراع المسلح يُفاقم هذه المشكلة كما أن الفتنة الطائفية الموجودة بشكل عام ستحول الدولة إلى أقاليم ويظهر هذا في الانقسام بين السنة والشيعة الذي سيظهر عواقبه في أنماط لم تشهدها منطقة الشرق الأوسط الحديث من قبل.
ومع ذلك هناك عوامل أخرى بإمكانها الحفاظ على منطقة الشرق الأوسط من اللجوء للصراع المسلح مثل وجود نظام الحكم الرشيد و الخدمات الأمنية الجيدة و العدالة الاجتماعية و رفع معدل التوظيف وتوزيع عائد الموارد العامة للدولة بإنصاف والاتحاد ضد أي عدو مشترك فالدول تعمل على نحوٍ فعال في شكل تحالفات مصغرة. إن تحقيق هذه العوامل والحفاظ عليها يعد أمر صعب المنال في العالم العربي وكلما احتدم القتال في سوريا كلما جثمت الكارثة و ازدادت الفوضى والاضطراب و المخاطر على الإقليم بأكمله.

روبين رايت مؤلفة كتاب" صخرة القصبة: الغضب والتمرد في أنحاء العالم الإسلامي" وباحثة متميزة بمعهد الولايات المتحدة للسلام ومركز ويلسون.