وحدات المركز > وحدة العالم الإسلامي > مستقبل الأمة وصراع الاستراتيجيات

التقرير السادس 
مستقبل الأمة وصراع الاستراتيجيات

المقدمة:

 بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أما بعد..

عام الانتظار... هذا ما يمكن أن نصف به هذه السنة بأحداثها وصراعاتها. 
فالقطب الذي ظن نفسه أنه أصبح مهيمنًا بات مثقلاً بحروب كبرى، خاضها منذ عدة سنوات، ولكنه أصبح الآن يعيش أجواء أشبه بهزيمةٍ في العراق و أفغانستان، ثم جاءت كارثة الأزمة المالية، وإفلاس أكبر بنك أمريكي، وتعرُّض الاقتصاد العالمي لأكبر هزة في تاريخه منذ ستين عامًا تقريبًا، ويدفع العالم كله ثمن الجشع، بل قل ثمن نظام رأسمالي سائد وقائم على الربا، ومحاربة رب العزة ورسوله، فأنى له ؟ ! 
تقول دراسة تحليلية أعدها مجلس المخابرات القومي الأمريكي تحت عنوان " الاتجاهات العالمية في 2025م " ، وأُعلن عنها في شهر نوفمبر 2008م : إن الأزمة المالية العالمية الحالية هي بداية إعادة توازن اقتصادي عالمي، وإن دور الدولار الأمريكي باعتباره العملة العالمية الرئيسة سيضعف، كما سيتزايد الاعتماد على مصادر طاقة بديلة عن النفط. 
ويذكر التقرير الذي استند إلى مسح عالمي لخبراء واتجاهات، أجراه محللو مخابرات أمريكيون، أن العشرين عامًا المقبلة ستكون فترة انتقالية نحو نظام عالمي جديد مليء بالمخاطر. ويتوقع التقرير انضمام الصين و الهند إلى الولايات المتحدة على رأس القوى الكبرى، وأن تنافس الدولتان أمريكا على النفوذ. ويقول : إن وضع روسيا كقوة كبرى غير مؤكد، بينما ستحصل دول مثل تركيا و إيران و إندونيسيا على نفوذ متزايد. 
ويقول التقرير : إن النظام العالمي الذي تشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية ستنطمس معالمه تمامًا بحلول عام 2025م؛ بسبب بروز القوى الجديدة الصاعدة، وعولمة الاقتصاد، والانتقال التاريخي للثروة من الغرب إلى الشرق. ويتوقع تقرير الاستخبارات أن يتمحور التنافس على التجارة والتطورات والابتكارات التقنية، وعلى عمليات الاستحواذ، ويقول : إنه من غير المستبعد أن يشهد العالم عودةً إلى سيناريو مشابه لسباق التسلح في القرن التاسع عشر، والتنافس العسكري، والتوسع الإقليمي. 
وبالإضافة إلى ذلك هو عام البطة العرجاء، كما يطلق على العام الأخير في الرئاسة الأمريكية؛ حيث تصبح الإدارة الأمريكية في عامها الأخير أشبه بالمشلولة، وعاجزة عن المبادأة، وتبقى فاعليتها متعلقة بردود الأفعال، وبعد الانتخابات الرئاسية جاء أوباما في لحظة تاريخية خاصة بالولايات المتحدة، ويتولى أول أسود سُدَّة الرئاسة، وإن كان غالب المحللين يبدون شكوكًا إزاء تغيير حاسم على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، وفي إسرائيل - أي الشق الثاني من المحور الصهيوني - تقريبًا نفس الحالة؛ حيث العجز الواضح، فالفضائح التي عاشها أولمرت، والتي اضطرته إلى الاستقالة، وتولي ليفني رئاسة حزبه بعد انتخابات ساخنة مع موفاز، ولكنها عجزت عن تشكيل حكومة تحالف بينها وبين الأحزاب الأخرى، مما جعل انتخابات فبراير القادم هي المخرج الوحيد وسط تكهنات بصعود يمين متطرف بزعامة نتانياهو. 
وفي الجانب المقابل المتنافس على النفوذ في الشرق، أي المحور الشيعي بشقيه الإيراني والسوري، يغلب عليه حالة التجمد منتظرًا تغير الإدارة الأمريكية ليتعامل معها وفق معطيات جديدة، ربما تعطيه ما لم توافق إدارة بوش على إعطائه في صفقة متوقعة، وإن كانت حالة الانتظار هي الغالبة عليه؛ فإنه لا يعدم أن يعزز مواقعه في جميع الأماكن التي وضع يده عليها، خاصة في لبنان والعراق. 
أما المحور العربي، والذي يجري التنافس على أرضه، فقد ظلت حالته هي الركود، ولم تنفع حتى الآن أيّ محاولات لإيقاظه من غفوته، فهمُّه الحفاظ على الوضع القائم في بيئة سياسية محلية وإقليمية ودولية سوف تشهد متغيرات درامية في الفترة المقبلة، وإن بدت من بعض أقطاب هذا المحور تحركات دبلوماسية نشطة في الفترة الأخيرة، منتهزة فرصة تجمد القطب الواحد عن الحركة، وإن رجَّح بعض المراقبين أنها حركة في الوقت الضائع. 
ونحن في التقرير الارتيادي في إصداره السادس نحاول رصد هذه المتغيرات من خلال الهدف الذي وضعناه منذ العدد الأول، وهو إعادة قراءة واقع العرب والمسلمين بفهم عميق ونظرة ثاقبة.. 
ومن خصائص هذه القراءة : 
1- أنها مرتبطة بسنن الله في الكون والأرض والحياة، وقبل كل ذلك بكتاب الله وسنة نبيه. 
2- أنها تتسم بطابع المنهج العلمي الاستنباطي، وليس الاستقرائي فقط.. 
هذه العلمية تتحقق عبر مستويات الوصف والتحليل والتوقع. 
3- أنها ترى الواقع بصورته كما هو، بدون تهويل، أو خداع، أو مبالغة. 
4- أنها تستفيد من تجارب الآخرين في قراءة الواقع. 
هذا الفهم للواقع يهدف إلى بحث الخيارات الممكنة، والسبل المتاحة، لكي تأخذ الأمة الإسلامية وضعها ومكانتها في البيئة الدولية، وقدرتها على تحدي القوى والاستراتيجيات العالمية والإقليمية، بل ووصولها إلى وضع القوة المهيمنة الأولى على الساحة الدولية مستقبلاً في ضوء اللحظة الراهنة، ليس ذلك استكبارًا أو تجبرًا في الأرض، بل أداءً لمهمتها التي كلّفها الله بها في الأرض. 
ولذلك تم تقسيم التقرير إلى الأبواب الآتية : 
في الباب الأول، وهو الذي يتعلق بالنظرية والفكر السياسي، بدأنا بموضوع قراءة في كتب السياسة الشرعية بين القديم والحديث؛ حيث حاول المؤلف تتبُّع بعض ما تم تأليفه في مجال السياسة الشرعية. ثم أتبعناه ببحث تهيئة الشعوب للاستعباد في عصر العولمة، وفيه يحاول الباحث الغوص في الأبعاد الفلسفية والإنسانية للهيمنة الغربية الأمريكية على العالم. وفي المبحث الثالث من هذا الباب يطل علينا الباحث من زاوية الجغرافيا السياسية؛ ليلقي الضوء على استخدام آلياتها ومناهج البحث في هذا العلم في التحليل السياسي، واستخراج قوانين الظاهرة السياسية. 
أما الباب الثاني، وهو ملف التقرير، فقد خصصناه في هذا العدد لمنطقة الخليج العربي، وما يتفاعل داخله من صراعات، فجاء البحث الأول بعنوان الأمن في الحوض الخليجي، استعرض فيه طبيعة الأمن السننية ومقوماته البنيوية، ومهدداته الداخلية والخارجية، ومحدداته العقدية والسياسية والاستراتيجية التي توفر حفظه واستقراره. أما البحث الثاني فيتعلق برصد المدارس الأجنبية في منطقة الخليج؛ حيث اتخذ من دولة البحرين أنموذجًا لهذا الرصد على واقع تلك المدارس، وآثارها في الخليج كله، بحكم أن أول مدرسة أُنشئت في الخليج كانت في البحرين. 
ويلقي المبحث الثالث في هذا الباب الضوء على العلاقات الإيرانية الخليجية، متناولاً جذورها وأبعادها التاريخية والمعاصرة. ويقوم الباحث في الموضوع الرابع باستعراض التقارير الدولية عن المرأة السعودية، مستخلصًا منها أبعاد المخططات التي تُحاك ضد المرأة في الخليج ودوافعها. وفي المبحث الخامس من هذا الباب يتناول الباحث الأقليات في الخليج بذكر مفهومها؛ حيث يركز بحثه على الأقلية الشيعية في هذه المنطقة. 
وفي الباب الثالث الخاص بقضايا وهموم العمل الإسلامي طرحنا بحثين : الأول عن الاحتجاج السياسي المعاصر وضوابطه في الفقه الإسلامي؛ حيث يقدم الباحث رؤية فقهية تأصيلية لهذه الظاهرة. والثاني بعنوان المسلمون واستثمار الإنترنت، حاول فيه الباحث طرح إشكالية التعامل الإسلامي مع التطورات الجديدة على شبكة الإنترنت. 
أما الباب الرابع، والمختص بمشكلات العالم الإسلامي، فقد تناول خمسة موضوعات : الأول عن موقع المقاومة العراقية في الاستراتيجية الأمريكية للعراق، على ضوء التطورات الجديدة في هذه الاستراتيجية؛ حيث رأى الباحث أن تجربة المقاومة العراقية ذات خصوصية إذا ما تمت مقارنتها بنماذج حركات التحرر الوطنية التي شاهدها عالمنا المعاصر. بينما ألقى المبحث الثاني الضوء على مشكلة دارفور من زاوية استراتيجية. وحاول المبحث الثالث تقديم استعراض تاريخي لأوضاع أهل السنة في لبنان، ومحاولة استشراف لدورهم المستقبلي على ضوء الصراع المتفجر في لبنان، ويرصد المبحث الرابع قضية كشمير، متتبعًا جذورها التاريخية واستراتيجيات القوى الإقليمية والدولية تجاهها، وختمنا هذا الباب بجنوب اليمن والاضطرابات التي تسوده، وأثرها الاستراتيجي على وضع اليمن ككل ودوره الإقليمي. 
أما الباب الخامس المختص بالعلاقات الدولية فقد تضمن بحثين : الأول مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية وأثرها في العالم الإسلامي، من أجل طرح البدائل لمستقبل التعامل مع ملفات مثل العراق والملف النووي، والصراع العربي الإسرائيلي، والحرب على ما يُطلق عليه " إرهاب " . أما المبحث الثاني في هذا الباب فيسعى إلى فهم وتحليل تأثير أزمة أوسيتيا الجنوبية على النظام الدولي ومستقبله، وذلك في ضوء المفاهيم الثلاثة التي طرحتها المدرسة الواقعية. 
وقد تم استحداث بابين جديدين في هذا الإصدار : الأول ما يتعلق بالقضايا الاقتصادية المؤثرة على العالم الإسلامي، والآخر يطرح مشاريع بحثية وتأثيرها كخطوة على صعيد العمل الارتيادي في العمل الإسلامي : 
ففي إطار القضايا الاقتصادية يطرح الباب السادس أربعة مباحث : الأول : دراسة في الأزمة الاقتصادية التي تجتاح العالم الآن، ويطلقون عليها اسم الأزمة المالية؛ حيث يعرف أبعاد هذه الأزمة وأسبابها ومشاكل تكييفها العلمي، كما يطرح البديل الإسلامي لهذه المشكلة. وفي المبحث الثاني يبحث في العملة الخليجية الموحدة؛ باعتبار الاتحاد النقدي أعلى مراحل التكامل الاقتصادي. ويطرح البحث الثالث مشكلة الغذاء وتأثيرها استراتيجيًّا على العالم الإسلامي؛ حيث تكمن خطورة هذه المشكلة في البلدان الإسلامية في بُعدها الارتيادي والحضاري، فالمفترض أن هذه البلدان تمثل أمةً لها رسالة، ولا شك أن عجزها عن توفير متطلباتها من الغذاء أدعى لنكوصها في تقديم رسالتها للآخر. 
ويناقش الباب الأخير أحد المشروعات الارتيادية، وهو مقترح فكرة تأسيس معهد دراسات بيت المقدس في إحدى البلاد العربية أو المسلمة. 
تجدر الإشارة إلى أنه لم تتم تغطية بعض الموضوعات المهمة، والتي حدثت هذا العام؛ إما لأن هذه الأحداث جاءت بعد الانتهاء من إعداد التقرير، أو وهو يجهز للطبع، مثل تحليل نتائج الانتخابات الأمريكية وتأثيرها الاستراتيجي على الأمة الإسلامية، أو لأن هذه الموضوعات يتم تجهيز أبحاث مستقلة لها في مجلة البيان، مثل الدور الإيراني في المنطقة العربية، وتمرد الحوثي في اليمن. 
وهكذا يحاول التقرير الارتيادي في إصداره السادس تحقيق أهدافه المرصودة منذ الإصدار الأول، والتي ذكرناها سابقًا من خلال الرصد الارتيادي لمختلف جوانب الظواهر السياسية بأنواعها المختلفة، وانعكاساتها المستقبلية على الأمة الإسلامية في سبيلها للتقدم نحو غاياتها ودورها الارتيادي العالمي. 
والحمد لله رب العالمين

 

موضوعات التقرير:

مقدمة التقرير السادس 
مستقبل الأمة وصراع الاستراتيجيات
هيئة التحرير

قراءة في كتب السياسة الشرعية.. بين القديم والحديث
محمد بن شاكر الشريف

تهيئة الشعوب للاستعباد في عصر العولمة 
محمد إبراهيم مبروك

تطورات علم الجغرافيا السياسية 
وأثرها في فهم التفاعلات الراهنة
حسن الرشيدي

الأمن في الحوض الخليجي 
د. سامي الدلال

المدارس الأجنبية في الخليج.. 
البحرين أنموذجًا 
د. عبد العزيز بن أحمد البداح

العلاقات الخليجية الإيرانية 
د. ضيف الله الضعيان

التقارير الدولية عن المرأة السعودية 
د. فؤاد عبد الكريم

الأقليات الدينية في الخليج العربي 
أحمد فهمي

الاحتجاج السياسي المعاصر 
وضوابطه في الفقه الإسلامي 
عصام زيدان

المسلمون واستثمار الإنترنت 
وسام فؤاد

موقع المقاومة العراقية 
في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة 
د. خالد المعيني

أبعاد أزمة دارفور ومآلاتها.. رؤية استراتيجية 
د. حمدي عبد الرحمن حسن

أهل السنة في لبنان 
علي حسين باكير

كشمير.. والمتغيرات الإقليمية والدولية
محمد عادل

أزمة الجنوب.. القديم الجديد في تقسيم اليمن 
أنور قاسم الخضري

مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية 
وأثرها في العالم الإسلامي 
د. عدنان الهياجنة

مستقبل النظام الدولي في ضوء أزمة أوسيتيا الجنوبية 
د. نورهان الشيخ

الأزمة المالية العالمية المعاصرة 
والنظام الإسلامي البديل 
د. رفعت العوضي

العملة الخليجية الموحدة.. 
احتمالات النجاح وتداعيات التطبيق
د. رجا مناحي المرزوقي البقمي

مشكلة الغذاء 
وتأثيرها استراتيجيًّا على العالم الإسلامي 
عبد الحافظ الصاوي

الثروة النفطية العراقية في السياسة الأمريكية
د. حسين الرشيد

مقترح فكرة تأسيس معهد دراسات بيت المقدس 
في إحدى البلاد العربية أو الإسلامية
في ذكرى 60 عامًا على النكبة، ولاسيما " النكبة المعرفية " 
الدعوة لتعاون " المعرفة " و " السلطة " في داخل العالم العربي والإسلامي 
أ. د. عبد الفتاح العويسي