وحدات المركز > وحدة الترجمات > مصر والمواجهة المسلحة في سيناء.- مركز: ستراتفور.

مصر والمواجهة المسلحة في سيناء.
ترجمة وحدة الترجمة بالمركز العربي للدراسات.
مركز: ستراتفور.

مُلخص
لقد هاجم مسلحون مجهولون قوات الأمن المصرية المتواجدة في منطقة العريش بشبه جزيرة سيناء صباح يوم 20/ مايو/ 2013 وقد أفاد تقرير الحادث عدم وقوع أي ضحايا و لكن تلخصت مطالب المسلحين المتواجدين في سيناء بإطلاق سراح" الناشطين السياسيين" من بدو سيناء، ثم لحق هذا الهجوم المُسلح عملية اختطاف سبعة جنود من قوات الأمن المصرية على أيدي مسلحين مجهولين أيضاً. وتفيد مثل هذه الأزمات فشل القوات المسلحة المصرية الذريع في إحكام قبضة التحكم على سيناء وكذلك جهاز المخابرات بالإضافة إلى نقص الخبرة في احتواء كافة القوى السياسية المعارضة في القاهرة للتعامل مع الأزمة فيما زادت حدة ضغوط هذه القوى السياسية على الرئيس المصري محمد مرسي بهدف استئصال بؤر المتشددين المسلحين في سيناء. لكن إجراءات مرسي الحاسمة التي تمثلت في نشر وزيادة عدد قوات الأمن في شبه جزيرة سيناء وتصاعد حدة خطابه تشير إلى استعداد النظام المصري الحالي في القاهرة إلى استخدام القوى المسلحة لنشر الأمن والقضاء على الفوضى هناك.

التحليل

مما لاشك فيه أن عملية اختطاف سبع جنود من قوات الأمن المصرية بينهم فرد من الجيش المصري تشير صراحةً إلى تصعيد حدة الخطاب من جانب الجماعات المُسلحة في سيناء ضد النظام الحالي حيث تُعد هذه العملية هي الأولى من نوعها في سيناء. لكن الجنود في حالة الاختطاف لم يكونوا مرتدين للزي العسكري الرسمي ولذا ربما تكون عملية الاختطاف قد حدثت بالصدفة وأن الخاطفين قد أرادوا خطف مدنيين. بينما تظهر دلالات أخرى مُتمثلةً في تتابع الهجمات و فشل المفاوضات وتوحي بوجود قوى مسلحة كبيرة تشن حملات تمرد ضد النظام لتعبر عن تقويضها لشرعية تواجد قوات الأمن في سيناء.

وقد أفادت التقارير الأولية تواصل مرسي مع مشايخ القبائل البدوية و قادة الجماعات الجهادية المعتدلين بهدف ضمان سلامة الجنود المختطفين إلا أن مرسي قد أعلن في 19/ مايو أن كل الخيارات متاحة لحل الأزمة وأن الحكومة المصرية لا تقبل التفاوض مع" المجرمين" ومن ضمن الإجراءات الوقائية تم غلق المعابر الحدودية مع قطاع غزة منذ عملية الاختطاف. وكشفت التقارير عن زيادة انتشار قوات الأمن في سيناء في 20/ مايو بما في ذلك نشر العربات المدرعة و ناقلات الجنود عبر قناة السويس إلى شمال سيناء، ومن جانبها قامت قوات الأمن و أقسام الشرطة في سيناء في يوم 19/20 مايو بالاحتجاجات ضد النظام مطالبين بضرورة إطلاق سراح الجنود المختطفين مما يؤكد على ضرورة تدخل الجيش في هذه المنطقة المتوترة للحفاظ على الأمن.

ولا ننسى العواقب الوخيمة لحالة الانفلات الأمني التي تشهدها شبه جزيرة سيناء و آثارها السيئة على أهم جارين لمصر من البوابة الشرقية حماس في قطاع غزة وإسرائيل، حماس التي أسرعت إلى إنكار اي علاقة لها أو تورط في عملية الاختطاف وتحاول بذلك نفي الشائعات التي أصدرتها إحدى الصحف الرسمية في مارس عن صلة حماس بمقتل الجنود المصريين ال16 في أغسطس 2012 في شبه جزيرة سيناء. وأعلنت حماس من جانبها أن منطقة الحدود" منطقة مغلقة عسكرياً" بعدما أغلقت مصر معبر رفح البري على العكس من رفض بعض الجماعات الفلسطينية لغلق المعبر.
هناك صلة وثيقة بين جماعة الإخوان المسلمين التي تقود مصر وحماس في فلسطين باعتبار حماس الامتداد الفكري للجماعة فالإخوان إذاً هم أهم حليف لحماس في المنطقة ومن ثم يعتبر من الضروري والحيوي للجماعات الفلسطينية الحفاظ على قوة العلاقة مع القاهرة لأن النشاط المسلح المتزايد في سيناء و تهريب الأسلحة على أيدي المتشددين الذين تجمعهم روابط بالجماعات السلفية المتنافسة مع حماس على السيادة في قطاع غزة كل هذه أمور من شأنها تهديد سيطرة حماس على القطاع. ويبدو أن النشاط الجهادي المتزايد في مناطق الحضر و السياحة بين مصر وغزة من شأنه ان يخلق نقطة خلاف بين حماس والقاهرة

كما أن هذه التوترات التابعة للأنشطة الجهادية المسلحة في سيناء من تشكل مصدر إزعاج كبير لإسرائيل حيث أثرت الأحداث الأخيرة في سيناء على إسرائيل بشكل مباشر ومن مظاهر ذلك إطلاق بعض المسلحين الإسلاميين صاروخين تجاه مدينة إيلات الإسرائيلية من سيناء في 17 أبريل ومن هنا أصبحت إسرائيل تواجه معضلة كبرى. لأن العلاقة بينها وبين مصر والأردن، أقرب الدول العربية إليها، أصبحت على المحك خاصةً بعد إمكانية إعادة نشر القوى المسلحة على الحدود من قبل الدولتين. ونتيجة ذلك طالب أعضاء مجلس الشورى المصري بضرورة سحب السفير المصري لدى إسرائيل في 14/ مايو كما أجمع البرلمان الأردني على وجوب سحب السفير الاردني من إسرائيل رداً على انتهاكات إسرائيل للمسجد القصى في يوم العيد الرسمي لإسرائيل الموافق ليوم القدس العالمي. وإن كانت هذه المطالب لم تتم الاستجابة إليها بعد لكن مردودها واضح وأثرها بين في شوارع كلتا الدولتين.
ومن ناحية أخرى، تنتاب إسرائيل بعض المخاوف من حالة الانفلات في شبه جزيرة سيناء وتود التواجد المصري الكبير في هذه المنطقة لحفظ الأمن والسيطرة عليها ولأن إسرائيل لا تمتلك القدرة على الانفراد بالسيطرة على الوضع في سيناء لأنها لا تأمن على حدودها الشمالية مع سوريا.

إن المشكلة التي تواجهها الحكومة المصرية مع سيناء ليست جديدة بل هي قديمة وممتدة حيث تُعرف سيناء بخروجها عن القانون منذ أمد بعيد وكانت منبعاً لتجارة السلاح والإمدادات وساعد على ذلك شروط معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 بتقليص التواجد الأمني في سيناء الأمر الذي ساعد المتطرفين على العمل في بيئةٍ جيدة. وعلاوةً على ذلك تميزت برامج الاستثمار والتنمية في سيناء بالمحدودية ولم تعمل لصالح بدو سيناء الذين يقدرون الأعراف القبلية فوق كل شيء، فكل هذه الأمور قد امتزجت بصعوبة تضاريس سيناء وقسوة الحياة فيها ونقص الموارد وعملت على زيادة نسبة الفقر وكذلك نسبة التطرف.

وقد حافظ الرئيس السابق مبارك على الهدوء النسبي في شبه الجزيرة و تعامل بدو سيناء في الماضي طويلاً مع الجهاديين المسلحين وتعاون البدو مع جهاز المخابرات المصرية على حدٍ سواء بما يضمن لهم تحقيق المصلحة من كافة الأطراف بينما استطاعت أجهزة الأمن التواصل مع البدو بالقدر الذي يسمح لهم بالحصول على المعلومات الأمنية الضرورية لملاحقة الحركات الجهادية في المنطقة واحتواء التهديدات. وبعد سقوط مبارك في فبراير 2011 تكاثرت الضغوط على الأجهزة الأمنية والمخابرات والقوات المسلحة وجذبت انتباههم إلى منطقة أكثر توتراً وبحاجةٍ إلى المزيد من الاهتمام والتأمين ومن ثم بات الجيش المصري في مواجهة تحديات كبيرة منذ تنحي مبارك أهمها السيطرة على حالة الفوضى التي تشهدها البلاد و تطوير علاقة القوات المسلحة مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الحزب الحاكم.

لكن الواضح هو استغلال المسلحين البدو و الجماعات الإسلامية الفراغ الأمني المتزايد في سيناء ومن ثم استمرت عمليات التصادم مع الأجهزة الأمنية المصرية وخطف السائحين وطلب الفدية لإطلاق سراحهم بعد ذلك، ولم لا فسيناء معقل لحوالي 200.000 بدوي ينتمون إلى قبائل مختلفة يزيد عددها عن 15 قبيلة. وتسعى هذه القبائل الآن إلى إحكام قبضتها على قطاعها حتى لا تسطو عليه قبيلة اخرى وفي مثل هذه البيئة استغل المسلحون الإسلاميون _ _ سواء المدعومين من جهات أجنبية مثل إيران أو من جماعات متطرفة مثل تنظيم القاعدة _ _ سيناء كقاعدة جيدة لممارسة أنشطتهم المسلحة.

لكن المفاوضات بشأن إطلاق سراح الجنود المختطفين لم تكن ناجحة حتى الآن حيث كان رد فعل حكومة مرسي قبل ذلك تجاه الانفلات الأمني في سيناء ضعيف يتسم بالحذر من التصادم المباشر مع الجماعات الإسلامية والتكتلات السلفية السياسية، وعلى رأسهم حزب النور الحزب السياسي السلفي الأول الذي انقلب بشكل كلي ضد الإخوان المسلمين. حيث توقف حزب النور قليلاً عن معارضة النظام القائم ولكنه في الأشهر الأخيرة قد بدأ دعم مطالب جبهة الإنقاذ الوطني مثل طلب إقالة رئيس الوزراء هشام قنديل و تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وأيما كانت المكاسب التي حققتها حكومة مرسي من خلال تعاملها الناعم ومحافظتها على الهدوء النسبي في سيناء إلا أن هذه المكاسب تعتبر لا شيء أمام تجرؤ المسلحين المتشددين على ممارسة أنشطتهم هناك وهذا ما جعل الحكومة المصرية تعتقد أن استخدام القوة قد أصبح الحل الوحيد و الضروري. و أصبح من الصعب الآن إقناع الشعب المصري بقوة الجيش و سيادته لا سيما بعد حادث اختطاف الجنود ولذلك يعد الجيش المصري بحاجةٍ إلى بيان عدم تهاونه أو سماحه بالمساس بقواته وجنوده ومن جانبهم لم تجد الأحزاب المعارضة حدثاً مدوياً مثل اختطاف الجنود يستخدمونه كأداة قوية في ذم وانتقاص حكومة مرسي.

إن الانتشار الموسع لقوات الأمن المصرية في 20/ مايو وما تبعه من تحرك مدرعات عسكرية وناقلات جنود داخل سيناء يُعد من أهم الدلالات على تخطيط الحكومة المصرية لتوظيف الجيش و والاعتماد على القوات المسلحة كحل مؤكد لإحكام السيطرة وفرض الأمن في سيناء كما فعل قبل ذلك في أغسطس 2012 منذ أحداث العنف الأخيرة في شبه الجزيرة. وعلى الرغم مما سبق يعتبر عامل نقص مصداقية قوات الأمن المصرية منذ سقوط مبارك وعامل الانقسام السياسي الذي يشهده الشارع المصري ودافع الثقة في القاهرة من أهم التحديات التي تواجه الحكومة المصرية في السيطرة على الجماعات المسلحة والمتطرفين في سيناء.